الجاحظ

18

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

مالكا ، فقال : « كان يخرج في الليلة الصنبر عليه الشملة الفلوت « 1 » ، بين المزادتين النضوحين ، على الجمل الثفال ، معتقل الرمح الخطل » . قالوا له : وأبيك إن هذا لهو الجلد . ولا يحمل الرمح الخطل منهم إلا الشديد الأيّد « 2 » ، والمدلّ بفضل قوته عليه ، الذي إذا رآه الفارس في تلك الهيئة هابه وحاد عنه ، فإن شد عليه كان أشدّ لاستخذائه له « 3 » . والحال الأخرى أن يخرجوا في الطلب بعقب الغارة ، فربما شدّ على الفارس المولّي فيفوته بأن يكون رمحه مربوعا أو مخموسا ، وعند ذلك يستعملون النيازك . ، والنيزك أقصر الرماح . وإذا كان الفارس الهارب يفوت الفارس الطالب زجه بالنيزك ، وربما هاب مخالطته فيستعمل الزج دون الطعن ، صنيع ذؤاب الأسدي بعتيبة بن الحارث بن شهاب . وقال الشاعر : وأسمر خطّيا كأنّ كعوبه * نوى القصب قد أربى ذراعا على العشر وقال آخر : هاتيك تحملني وأبيض صارما * ومحرّبا في مارن مخموس « 4 » وقال آخر : فولوا وأطراف الرماح عليهم * قوادر ، مربوعاتها وطوالها وهم قوم الغارات فيهم كثيرة ، وبقدر كثرة الغارات كثر فيهم الطلب ، والفارس ربما زاد في طول رمحه ليخبر عن فضل قوته ، ويخبر عن قصر سيفه ليخبر عن فضل نجدته . قال كعب بن مالك : نصل السيوف إذا قصرن بخطونا * قدما ونلحقها إذا لم تلحق

--> ( 1 ) ليلة صنبر : شديدة البرد . الشملة الفلوت : التي لا ينضم طرفاها . ( 2 ) الأيد : القوي . ( 3 ) الاستخذاء : الخضوع . ( 4 ) المارن : الصلب اللين . المخموس : الرمح الذي طوله خمس أذرع .